السيد عبد الله شبر
191
الأخلاق
بما فيها ، وانتشر ذلك في الأقطار والأمصار ، ولا يزال في زيادة اقتناص القلوب والنمو ، والمال لا يمكن استنماؤه الا بتعب شديد . ولكن الجاه ليس بمذموم مطلقا ، بل هو كالمال ممدوح من جهة ومذموم من أخرى ، وكما أنه لا بد للانسان من أدنى مال لضرورة المطعم والملبس فلا بد له من أدنى جاه لضرورة المعيشة مع الخلق وكما يحتاج الإنسان إلى طعام يتناوله ويجوز أن يحب الطعام والمال الذي يباع به الطعام ، وكذلك لا يخلو عن الحاجة إلى خادم يخدمه ورفيق يعينه وسلطان يحرسه ويدفع عنه ظلم الأشرار ، فحبه لأن يكون له في قلب خادمه من المحل ما يدعوه إلى الخدمة ليس بمذموم ، وكذا حبه لأن يكون له في قلب رفيقه من المحل ما يحسن به مرافقته ومعاونته ، وكذا حبه لأن يكون له في قلب استاده من المحل ما يحسن به إرشاده وتعليمه والعناية به ، وان يكون له من المحل في قلب السلطان ما يحثّه على دفع الشر عنه ، فإن الجاه وسيلة إلى الأغراض كالمال . ( الفصل الثاني ) في علاج حب الجاه اعلم أن من غلب على قلبه حب الجاه صار مقصور الهم على مراعاة الخلق مشغوفا بالتودد إليهم ، وابتلى بالرياء والسمعة والنفاق والمداهنة والتساهل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك ، وعلاجه العلم والعمل : ( اما العلم ) ان يعلم أن السبب الذي لأجله أحب الجاه - وهو كمال القدرة على أشخاص الناس وعلى قلوبهم - ان صفا وسلم فأخره الموت ولا ينفعه في الآخرة لو لم يضره ، ولو سجد له كل من على وجه الأرض فعن قريب لا يبقى الساجد ولا المسجود له ، ويكون حاله كحال من مات قبله من ذوي الجاه مع المتواضعين له ، ولمثل هذا لا ينبغي أن يترك الدين الذي هو